بلا تصفيق

بلا تصفيق

في زمن تُقاس فيه الأشياء بقدرتها على الظهور، لم يعد الإنسان يفعل ما يحب لأنه يحبه، بل لأنه قابل لأن يُرى. صار الفعل مرتبطًا بنظرة الآخرين، وكأن القيمة لا تكتمل إلا حين تُترجم إلى أرقام أو حين نسمع تصفيقًا خاصًا لنا. وهكذا، بدأ المعنى ينسحب بهدوء، دون أن ننتبه.

لم يعد الإنجاز تجربة داخلية، بل نتيجة خارجية. فإذا غاب التصفيق، شعر الإنسان أن ما فعله لم يكن كافيًا أو أنه بلا معنى، حتى وإن كان صادقًا. كثيرون ينجزون في الخفاء، يحافظون على بيوتهم، يربّون، يعتنون، ويستمرون في أصعب الظروف محاولين الحفاظ على توازن حياتهم. ومع ذلك، يشعرون بالفراغ، لأن أحدًا لم يرَ جهدهم. ولو عرفوا فقط كم هو عظيم أن يحافظ الإنسان على اتزانه.

ومع هذا التحوّل، فقدت الهوايات براءتها. المصوّر لم يعد يرى الجمال في صوره إذا لم تُعجب الآخرين. الكاتب يتردد في الكتابة إن لم يجد صدى واسعًا. الرسّام يضع ريشته جانبًا لأن لوحاته لا تُعلّق في المتاحف. حتى الحرف اليدوية البسيطة لم تسلم، فقد خسر الصبر أهميته أمام سرعة العرض. تحوّل الشغف إلى مشروع، والمتعة إلى وسيلة.

في هذا السياق، أصبحت المقارنة عادة يومية. نقيس حياتنا بمرآة حياة الآخرين، وننسى أن انعكاسها لا يعكس واقعنا. فنشعر أننا متأخرون، مهما فعلنا، ليس لأننا لا ننجز، بل لأن الإنجاز لم يعد له شكل واحد، بل آلاف الصور التي لا تنتهي.

ربما المشكلة ليست في الإنجاز ذاته، بل في الطريقة التي فهمناه بها. الإنجاز الحقيقي ليس دائمًا صاخبًا، أحيانًا يكون مجرد استمراريتك، إخلاصك لما تحب، أو حفاظك على ذاتك وسط هذا الضجيج.

أخيرًا، قد يكون أعظم إنجاز هو أن نستعيد علاقتنا بما نفعل، وأن نعيش لأننا نريد، لا لأن نُثبت. أن نعيش لأنفسنا، أن نتعلّم المرونة، وأن نؤمن بأن لكلٍ طريقه الخاص. أن نمشي بخفّة وبطء نحو مساراتنا، متفائلين بالمستقبل، تاركين المقارنات وكل ما يُثقِل الخطى خلف ظهورنا. أن نحاول، قبل كل شيء، أن نكون أصدقاء لأنفسنا.

فالحياة ليست مسابقة، ولا سباقًا نحو خط نهاية واحد. الحياة جميلة بإيقاعها البطيء، بنموّها الصامت، وبما تُخفيه من صبر وسنوات طويلة خلف كل تجربة مدهشة. ولعل أجمل ما يمكن أن ننجزه، هو أن نمنح أنفسنا الوقتوأن نستمتع بالطريق قبل الإستمتاع بالوصول.


إيناس زردة

 

RELATED ARTICLES

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشَارَ إليها بـ *